الغزالي

101

إحياء علوم الدين

والثاني : أنهم قالوا حسن الخلق بقمع الشهوة والغضب ، وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع ، فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي . فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة . فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة ، وذلك محال وجوده فنقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير ، لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « حسّنوا أخلاقكم » وكيف ينكر هذا في حق الآدمي ، وتغيير خلق البهيمة ممكن . إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس ، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية ، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله ، كالسماء والكواكب ، بل أعضاء البدن داخلا وخارجا ، وسائر أجزاء الحيوانات ، وبالجملة كل ما هو حاصل كامل ، وقع الفراغ من وجوده وكماله . وإلى ما وجد وجودا ناقصا ، وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه . وشرطه قد يرتبط باختيار العبد ، بأن النواة ليست بتفاح ولا نخل ، إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها . ولا تصير تفاحا أصلا ، ولا بالتربية . فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار ، حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض ، فكذلك الغضب والشهوة ، لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر ، لم نقدر عليه أصلا . ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة ، قدرنا عليه . وقد أمرنا بذلك . وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى . نعم الجبلات مختلفة ، بعضها سريعة القبول ، وبعضها بطيئة القبول . ولاختلافها سببان أحدهما : قوة الغريزة في أصل الجبلة ، وامتداده مدة الوجود ، فإن قوة الشهوة ، والغضب والتكبر ، موجودة في الإنسان . ولكن أصعبها أمرا ، وأعصاها على التغيير ، قوة الشهوة